زكريا القزويني

460

آثار البلاد واخبار العباد

لا تحدث به ما دمت حيّا . وحكى أبو الحرث قال : رأيت في المنام كأنّ الناس وقوف بين يدي اللّه تعالى صفوفا ، وأنا في الصفّ الأخير ونحن ننظر إلى ربّ العزّة فقال : أي شيء تريدون أصنع بكم ؟ فسكت الناس . قال أبو الحرث : فقلت في نفسي : ويحهم ! قد أعطاهم كلّ ذا من نفسه وهم سكوت ! فجعلت أمشي حتى جزت الصفوف إلى الأوّل فقال لي : أيّ شيء تريد ؟ فقلت : يا رحمن إن أردت أن تعذّبنا فلم خلقتنا ؟ فقال : خلقتكم ولا أعذبكم أبدا . ثمّ غاب في السماء . المشان بليدة قريبة من البصرة كثيرة التمر والفواكه . وجرى المثل فيها بعلّة الورشان تأكل رطب المشان ، قيل : ان بعض الملوك مرض فأمره الأطباء بلحم الورشان ، فأمر أن لا يمنع من يطلب له الوراشين في البساتين من النخيل ، وكان طالب الوراشين يمدّ يده إلى الأعذاق ، فقالوا : بعلّة الورشان تأكل رطب المشان ، وهي وخمة جدّا ، وممّا يحكي العوامّ : قيل للملك الموت أين نجدك ؟ قال : عند قنطرة حلوان . قيل : فإن لم نجدك ؟ قال : لا أبرح عن مشرعة المشان . وإذا سخط ببغداد على أحد من أهل الفساد ينفى إلى المشان ، ليتأدب بالغربة ووخامة الهواء وملوحة الماء وكثرة المرض . وينسب إليها أبو محمّد القاسم بن عليّ الحريري صاحب المقامات الحريريّة التي هي من الأعاجيب . ومن عجيب ما حكي عنه انّه كان مشغوفا بنتف اللحية ، وهو مرض من غلبة السوداء ، فوكل به شخص يمنعه من ذلك . فلمّا عرض المقامات على الوزير ، وأعجب الوزير صنعته ، سأله عن حاجته فقال : ملّكني لحيتي !